علي بن أحمد المهائمي

601

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

إلى دفع سائر المضرات ( تميل القلوب إليه بالعبادة ) أي : التذلل له مثل تذلل العابد للمعبود ؛ ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « تعس عبد الدينار ، وعبد الدرهم ، وعبد الخميصة إن أعطي رضي ، وإن لم يعط سخط » « 1 » تعس وانتكس ، وإذ آتيك فلا انتعش ، فهو وإن كان في الأصل مقصودا بالغير وهو جلب الشهوات ودفع المضرات ، صار كأنه ( هو المقصود الأعظم ) حتى تشبه عند بعض الجهّال باللّه ، كما قال الجريري : لولا التقى لقلت : جلت قدرية فهو ( المعظم في القلوب ) العمية ( لما فيها من الافتقار إليه ) ، كالافتقار إلى اللّه تعالى في نظرهم ، وأي كمال لظهور الحق فيه ، وأدنى كمالاته البقاء إلى الأبد . ( وليس للصور ) ولو سماوية ( بقاء ) ، فمتى تبقى لأرضه ، ( فلابد من ذهاب صورة العجل ) وإن لم يقصد أحد إذهابها ، حتى إنها كانت تذهب بنفسها ( لو لم يستعجل موسى بحرقه ) ، لكنه استعجل ذلك لئلا يبقى مدة معبودا من دون اللّه في اعتقاد عابديه ، ( فغلبت عليه الغيرة ) بحسب اعتقاد عابديه غيريته للحق ؛ لأن حق المعبود أن يكون مستقلا بالذات وأحبابها ، فحرقه ليفنيه بالكلية بحسب العرق أو ليصير رمادا في غاية الحقارة ، ( ثم نسف رماد تلك الصورة في اليم نسفا ) ؛ ليشير بذلك إلى فناء الصور ذليلة في بحر الوجود الحقيقي ؛ حتى يظهر عدمها الأصلي وذلتها في أن تكون آلهة تعبد من دون اللّه ، ولكن ( قال له : انْظُرْ إِلى إِلهِكَ [ طه : 97 ] ) مع اعتقاده عدم إلهيته ( بطريق التنبيه ) على أخطائه في هذه التسمية ، وإن كانت صور الأشياء في المرايا تسمى بأسمائها ؛ ( للتعليم ) بأن كونه مجلى إلهيّا لا يصح تسميته باسم من أسماء اللّه تعالى ، وذلك ( لما علم ) موسى من السامري أنه إنما سماه بذلك من حيث ( أنه بعض المجالي الإلهية ) ، فنبّه بأنه لو صح تسمية هذا البعض به لصح تسميته الكل به ، فلا يبقى التمييز بين العابد والمعبود ، ولا سيما ما كان أكمل منه في المظهرية كالإنسان ، فإنه أكمل من سائر أنواع الحيوان في نفس الحيوانية فضلا عن الباطنية . ( فإن حيوانية الإنسان لها التصرف في حيوانية ) سائر أنواع ( الحيوان ) ، وإن كانت في أصل الحيوانية سواء ، لكن فضل اللّه تعالى حيوانية الإنسان على حيوانية سائر أنواع الحيوان ؛ لكون اللّه تعالى سخرها للإنسان ، فهذا العجل سخر للإنسان من حيث حيوانيته ، ( ولا سيما ) أنه وإن صار له خوار ( أصله ليس من ) نطفة ( حيوان ) بل من الجماد ، ( فكان أعظم في التسخير ) من الحيوان الذي أصله من الحيوان ، بل هو أي : هذا العجل وإن صار حيوانا فهو كالجماد في التسخير حتى يكون بحكم من تصرف فيه من ( غير ) إبانة ، فإنه وإن ظهرت فيه الحياة ، فلم تظهر فيه الإرادة ولا القوة الجاذبة والدافعة حتى يدفع ضرر من

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1017 ) ، وابن حبان ( 8 / 12 ) ، وابن ماجة في سننه ( 2 / 1385 ) .